عبد الملك الجويني
34
نهاية المطلب في دراية المذهب
فصل قال : " ويكون المسلم فيه مأموناً في مَحِلِّه . . . إلى آخره " ( 1 ) . 3478 - أراد بذلك أنَّ المسلم فيه ينبغي أن يكون بحيث يغلب وجوده في العادة عند المحل المشروط . فلو كان معدوماً عند المحل ، فالسلم باطل قولاً واحداً ، وهو كما لو جعل محلَّ الرطب الشتاءَ أو الربيع ، وكذلك لو كان نادر الوجود بحيث يتعذر تحصيله ، وقد لا يصادَف ، فلا يصح السلم . وهذا هو المعني بقول الفقهاء : لا يصح السلم فيما يعسر وجوده ، ومثّل الأئمة هذا بالسلم في قدرٍ [ صالح ] ( 2 ) من تمرٍ في أول ما يدرك الجنس ، وهو إن وجد ، فقليلٌ يُتهادى باكورُه ( 3 ) ، وظهور التعسّر في التحصيل كالعدم ، وهو بمثابة ما لو باع عبداً آبقاً وكان ردُّه عسراً ، فالبيع باطل ، وإن لم يكن مأيوساً . وهذا فيه فضل نظر . فإن كان المسلمُ فيه مما يغلب على القلب فقده ، ولا يبعد - على ندورٍ - وجودُه ، فالسلم باطل . وإن كان مما يغلب على القلب وجوده ، ولكن كان لا يتوصل إلى تحصيله إلا بمشقة عظيمة ، ينكف بمثلها الطالبون عن الطلب غالباً ، فمن أئمتنا من قال : السلم باطل في هذه الصورة ؛ لأنه عقد غررٍ ، فلا يحتمل معاناة المشاق العظيمة . ومنهم من قال : إنه يصح . ولعله القياس . والمسلم إليه إذا التزم أمراً وكان التحصيل فيه ممكناً غالباً ، فعليه الوفاء بما التزمه على يسر أو عسر . والشرط عند هذا القائل إمكان التحصيل في الوقت المشروط من غير استئخار فيه .
--> ( 1 ) ر . المختصر : 2 / 207 . ( 2 ) في الأصل : صاع . والمراد " بقدرٍ صالح " هنا ، أي مقدارٍ كبير غير معهودٍ أو متوقَّعٍ في بواكير الثمار . ( 3 ) الباكور : أول ما يدرك من الثمر .